محيي الدين الدرويش
273
اعراب القرآن الكريم وبيانه
أي أنه لما برد سوارها ، آخر الليل ، علمت أن نسمة الفجر طلعت ، فأحميت قلائدها بالعناق كي تصير القلائد مكذبة لما أشار إليه السوار من طلوع الفجر المؤذن بالفراق ، فعدل عن التصريح بذلك إلى برد السوار لينقل الذهن إلى هبوب نسمة الفجر المؤذنة بالفراق والداعية له ، وقد اشتهرت الكناية في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام تصوّنا منه وترفعا ، فمما جاء من هذا الديباج قوله : « إن امرأة كانت فيمن كان قبلنا ، وكان لها ابن عمّ يحبها فراودها عن نفسها ، فامتنعت عليه ، حتى إذا أصابتها شدة فجاءت إليه تسأله فراودها ، فمكنته من نفسها ، فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة قالت له : لا يحلّ لك أن تفض الخاتم إلا بحقه ، فقام عنها وتركها » وهذه كناية واقعة موقعها . ومن ذلك أيضا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « رويدك سوقك بالقوارير » يريد بذلك النساء فكنّى عنهن بالقوارير ، وذلك أنه كان في بعض أسفاره ، وغلام أسود اسمه أنجشة يحدو فقال له : يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير . ومن الكناية أيضا في هذه الآية قوله : « فالآن باشروهن » والمباشرة في قول الجمهور الجماع ، وقيل الجماع فما دونه . وهو مشتقّ من تلاصق البشرتين ، فيدخل فيه المعانقة والملامسة . 2 - التشبيه البليغ فقد شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق بالخيط الأبيض الممدود ، وما يمتدّ من غبش الليل بالخيط الأسود الممدود ، وهو تشبيه مألوف كثيرا . ولو لم يذكر من الفجر لكان استعارة تصريحية ، ولكن ذكر المشبّه أعاده إلى التشبيه البليغ المحذوف الأداة .